كان برنامجا يعرضه التليفزيون في وقت متأخر من الليل في ذكرى رحيل عبد الحليم حافظ، وكان وقتها أيام دراسة ولازم الواحد ينام بدري، بس طبعا، بما أنها كانت أيام دراسية، كان التليفزيون لا يحلو إلا فيها، وكنت بتفرج على كل حاجة وأي حاجة في سبيل أن أبعد عن المذاكرة، فقلت لنفسي وقتها أن أنتظر قليلا لأرى ما سيقدمه تلك البرنامج، ليس إهتماما مني بذكرى عبد الحليم، ولكن وكما ذكرت، محاولة للإبتعاد عن المذاكرة... وبدأ البرنامج، وفيه تم التعريف بحياة عبد الحليم عن طريق العديد من اللقاءات مع كثير مما كانوا مقربين له في حياته من الناس، وإستوقفتني فيه كلمات لم تبرح ذاكرتي حتى يومنا هذا... فضمن التعريف بحياة عبد الحليم، ذكرت مقدمة البرنامج مقولة، وصفتها بأنها كانت الحكمة التي كان عبد الحليم يؤمن بها طيلة حياته، فقالت: "نولد بلا إختيار، ونموت بلا إختيار... بين الموت والميلاد، لنا الإختيار"... وجدت في المقولة دي ملخص جميل يعرف الحياة، التي لها نهاية كما لها بداية...
الزيارات مهما طالت أو قصرت، ومهما كانت حلوة أو مرة، فهي كما الحياة، لها أيضا بدايات ونهايات...
كثير من الناس يحسدون الأطفال حديثي الولادة... إذ فيهم يجدوا البراءة، والنقاء، وكذلك الخلو من المسؤليات ومحاولات إيجاد الحلول المختلفة لما نواجهه في حياتنا اليومية من أعباء متنوعة... فالمولود الجديد تتلخص حياته اليومية في الأكل والنوم... كما تتلخص سبله للتعبير عما بداخله في البكاء أو الإبتسام... وبمرور الأيام يبدأ الطفل في خوض المحاولات لإدراك أكبر قدر مما يدور حوله من أشياء وأحداث، ومع كل جديد يدركه، يبدأ ينمو دوره في الحياة... ويكبر هو، فيدخل المدرسة، وفيها يتعلم أكثر من تاريخ أجداده، وما توصلوا إليه من علوم مختلفة توارثتها وطورتها أجيال جاءت من بعدهم... يبدأ أيضا في التعرف على ما له وما عليه من واجبات... وتأخذ شخصيته تتشكل يوما بعد يوم من خلال تفاعله هو ذاته مع كل معطيات حياته اليومية... وينضج المرء منا وتتكون لديه الطموحات، التي بعضنا يطلق عليها أحلام، فينتقل في حياته من مرحلة لأخرى، محققا أو غير محقق لما تمناه أو كان يحلم بتحقيقه...
مرحلة الشباب، وفيها يغتر الكثيرون بما لديهم من طاقات، فيخيل لبعضهم أن بوسعهم فعل أي شيء، وأنهم لمدركون كل الأمنيات... لكن، سرعان ما تغيب شمس تلك المرحلة، ليغرب المرء منا في مرحلة ما بعد الشباب، التي فيها يزداد تركيزه، في محاولة منه لإدراك ما قد فاته في الشباب، وليصحح الكثير من المفاهيم التي كان إدراكه لها وهو شاب، ينقصه الكثير من الصحة... وفيها أيضا تبدأ أمنياته في التقلص، ويسعى جاهدا في تحقيق ما تبقى منها... فإذا به وقبل أن يشعر، يجد نفسه متنقلا من ثلاثينيات عمره إلى الأربعينيات فالخمسينيات فالستينيات، إلى ما بعد ذلك من عقود كتب له أن يحياها... ومع إنتقاله من عقد إلى آخر، يتضح له أكثر فأكثر ماتحمله الحياة من معنى، فيدرك أنها مجرد زيارة، وأنه هو مجرد زائر، ويزداد زهده في الحياة، وتبدأ الأشياء كلها تتشابه عنده، سواء في الشكل أو في الأهمية، ويأخذ دوره في الحياة يصغر شيئا فشيئا إلي أن تنتهي تلك الزيارة.
هنا وهناك
الزيارات مهما طالت أو قصرت، ومهما كانت حلوة أو مرة، فهي كما الحياة، لها أيضا بدايات ونهايات...
كثير من الناس يحسدون الأطفال حديثي الولادة... إذ فيهم يجدوا البراءة، والنقاء، وكذلك الخلو من المسؤليات ومحاولات إيجاد الحلول المختلفة لما نواجهه في حياتنا اليومية من أعباء متنوعة... فالمولود الجديد تتلخص حياته اليومية في الأكل والنوم... كما تتلخص سبله للتعبير عما بداخله في البكاء أو الإبتسام... وبمرور الأيام يبدأ الطفل في خوض المحاولات لإدراك أكبر قدر مما يدور حوله من أشياء وأحداث، ومع كل جديد يدركه، يبدأ ينمو دوره في الحياة... ويكبر هو، فيدخل المدرسة، وفيها يتعلم أكثر من تاريخ أجداده، وما توصلوا إليه من علوم مختلفة توارثتها وطورتها أجيال جاءت من بعدهم... يبدأ أيضا في التعرف على ما له وما عليه من واجبات... وتأخذ شخصيته تتشكل يوما بعد يوم من خلال تفاعله هو ذاته مع كل معطيات حياته اليومية... وينضج المرء منا وتتكون لديه الطموحات، التي بعضنا يطلق عليها أحلام، فينتقل في حياته من مرحلة لأخرى، محققا أو غير محقق لما تمناه أو كان يحلم بتحقيقه...
مرحلة الشباب، وفيها يغتر الكثيرون بما لديهم من طاقات، فيخيل لبعضهم أن بوسعهم فعل أي شيء، وأنهم لمدركون كل الأمنيات... لكن، سرعان ما تغيب شمس تلك المرحلة، ليغرب المرء منا في مرحلة ما بعد الشباب، التي فيها يزداد تركيزه، في محاولة منه لإدراك ما قد فاته في الشباب، وليصحح الكثير من المفاهيم التي كان إدراكه لها وهو شاب، ينقصه الكثير من الصحة... وفيها أيضا تبدأ أمنياته في التقلص، ويسعى جاهدا في تحقيق ما تبقى منها... فإذا به وقبل أن يشعر، يجد نفسه متنقلا من ثلاثينيات عمره إلى الأربعينيات فالخمسينيات فالستينيات، إلى ما بعد ذلك من عقود كتب له أن يحياها... ومع إنتقاله من عقد إلى آخر، يتضح له أكثر فأكثر ماتحمله الحياة من معنى، فيدرك أنها مجرد زيارة، وأنه هو مجرد زائر، ويزداد زهده في الحياة، وتبدأ الأشياء كلها تتشابه عنده، سواء في الشكل أو في الأهمية، ويأخذ دوره في الحياة يصغر شيئا فشيئا إلي أن تنتهي تلك الزيارة.
هنا وهناك

